محمد بن علي الشوكاني

5333

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الإسلام وما يلتحق بها من كتب السنة المطهرة . قد علم كل من له علم أنها كثيرة جدا بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط ومصنف حافل ( 1 ) وفيها تارة استجلاب الخير وفي أخرى استدفاع الشر ، وتارة متعلقة بأمور الدنيا وتارة بأمور الآخرة . ومن ذلك تعليمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لأمته ما يدعون به في صلواتهم [ 3 ب ] وعقب صلواتهم وفي صباحهم ومسائهم وفي ليلهم ونهارهم وعند نزول الشدائد بهم وعند حصول نعم الله إليهم . هل كان هذا كل منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لفائدة عائدة عليه ، وعلى أمته بالخير خالية لما فيه من مصلحة دافعة لما فيه مفسدة ؟ فإن قالوا نعم ، قلنا لهم فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم ، فإن هذا الاعتراف يدفع عنا وعنكم معرة الاختلاف ، ويريحنا ويريحكم من التطويل بالكلام على ما أوردتموه وأوردناه . وإن قالوا ليس ذلك لفائدة عائدة عليه وعلى أمته بالخير ، جالبة لما فيه مصلحة ، دافعة لما فيه مفسدة ، فهم أجهل من دوابهم ، وليس للمحاجة لهم فائدة ، ولا في المناظرة معهم نفع . يا عجبا كل العجب ! أما بلغهم ما كان عليه أمر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من أول نبوءته إلى أن قبضه الله إليه من الدعاء لربه ، والإلحاح عليه ، ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه ( 2 ) ، وحتى يسقط رداؤه كما وقع منه في يوم بدر ( 3 ) ! فهل يقول عاقل فضلا عن عالم ، إن هذا الدعاء منه فعله رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وهو يعلم أنه لا فائدة فيه ، وأنه قد سبق العلم بما هو كائن ، وأن هذا السبق

--> ( 1 ) انظر " الأذكار " للنووي . " عمل اليوم والليلة " للنسائي ، و " عمل اليوم والليلة " لابن السني . " الكلم الطيب " لابن تيمية ، " الوابل الصيب " ابن القيم . ( 2 ) منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 1031 ) وطرفاه رقم ( 3565 ، 6341 ) ومسلم رقم ( 895 ) من حديث أنس بن مالك قال : كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه " . ( 3 ) انظر " فتح الباري " ( 7 / 292 - 293 ) .